بيت الشعر المغربي يطالب محمد بنيس بالنزول من غيمته
aaaaaaa-
وصف بيت الشعر المغربي رسالة الشاعر محمد بنيس المعنونة \"الخوف من المعني\"، والمُوجَّهة إلي الرئيس الحالي للبيت الشاعر نجيب خداري، بالروح المانوية المتلفعة بغطاء القدسية والعِصْمة، التي تكاد تكون عقائدية، مشيرا انها \"تُضمر تصوراً معيّنا عن الذات\".وقال بيت الشعر في رد مطول تلقت (الزمان) نسخة منه: تندرج الرسالة في سلسلة من الإشارات الناقمة علي الهيئة، لعل آخرَها تصريحاتُه بالجزائر (وللمكان دلالاته التي لا تخفي، وبالأخص غير الشعْري منها ).وتستند رسالة محمد بنيس إلي تصور شخصي في رؤيتها إلي العمل الثقافي، يبدو ظاهريا مُحتكماً إلي مفاهيم الحداثة، بيد أنه يرتكز، في العمق، علي مسبّقات مُوجّهة بروح مانوية، تنسُبُ إلي الذات قيم الصداقة والأخوة والتضامن والحرية والأمانة والنبل والكرم، وتقذف بالآخر إلي الجهة المُقابلة، جهةِ المكيدة والعداء والكذب والتهافت والخضوع والتبعية وغيرها من النعوت التي تُفضي إلي تخوين لا يختلف ، من حيث الآلية الذهنية، عن تكفير مُقنّع. هكذا تتقدّم الذات، في رسالتها، من خلال صورة قدّيس خانه أتباعه، يرمي بالخطأ جهة خارجٍ مطلق تتبدّل وجوهه، ليتكفّل في كل مرّة بتبرئة دائمة للمُستنجِد به.
وذكرت الرسالة التي وقعا اعضاء الهئية الادراية: إنّ عقلية الزعيم، التي تحجب انفتاح المعني، تستأنسُ بشعور ندم قاهر، كأن الذات نادمة علي ما لم تفعله عندما كانت تتحكم في زمام البيت، نادمة لأنها لم تتخلّص مِمَّنْ يُزعجها من الأعضاء حتي يتسني لها أن تُتوّج \"رئيساً أبديّاً\". ولحسن الحظ، هناك جيل شعري جديد لا يُؤمن بالرئيس الضرورة، يؤمن فقط بحريته متلفعة برؤية مضيئة للتاريخ والمستقبل.ونبهت بقولها: لعل رؤية بهذه الحمولة الميتافيزيقية الثاوية هي ما يُغذي النزوع إلي مناهضة الأجيال الشعرية الجديدة، ويمنع صاحبها من النظر إلي هذه الأجيال خارج منطق الأستاذية والوصاية وتوزيع البركات والهبات. فالخوف الكامن في الرسالة يُبطل الدعوي التي تتعلّل بها، لأنه، في العمق، خوفٌ من المستقبل الذي يُشرق كلما تحكمت الذات في مساره، وينقلب مظلماً كلما استند إلي الاختلاف وانبني علي الحرية. لذلك لا تخطئ القراءة العادية للرسالة قناعَ الضحية الذي تلبسه الذات في مشهدٍ، له ادعاء المحو والتشطيب والإعدام لتكتمل تُهمة التخوين.وقالت: تبدو الرسالة، انطلاقا مما تروم الإيهام به، كأنها تثير نقاشاً عامّاً عن التدبير الثقافي، فيما هي، في العمق، تتباكي علي مصالح ذاتية، وتُشهر قناع الضحية بما يتطلبه من تهويل تستعيد فيه الأنا صَدَي النواح والندب وتتلذذ برواية ما تعتبره انتهاكاً هو في مقام المأساة. مأساة تسحبها علي العالم والمحيط الذي نسجته فتستغرق متعة الاكتئاب. متعة البحث المضني عن معني ادّعته في خطاباتها التاريخية وبياناتها المجيدة. أليس داعي أسفٍ أن تكتب القصيدةُ الحرية والتعدّد وفي الوقت نفسه يُسكنها \"المؤسِّس\" أرجاء أناه المتفسِّخة، نقضاً لصوت المُختلف وإنكاراً للآخر في حقه الأول: حرية أن يكون وأن يختار لغته وانتماءه.
واشارت الي ان أثمّة أعنف وأضيق من أن تُقرأ المحبة علي أنها إعدام ومحو وعداء وغيرها من سلسلة النعوت الجاهزة في الروح المانوية؟ بما يترتب عنها من اختزال للعلاقات الإنسانية في الثنائية المشروخة: \"معي أو ضدّي\"، من غير احتمال أن الحرية، التي يدّعي صاحب الرسالة أن بعض أعضاء الهيئة باعوها، تقتضي التنبّه إلي منطقة أعلي وأبهي وأسمي من هذه الثنائية، وأن الحرية ذاتها تُلزمُ من اختارها بألاّ ينشغل بأحقاد الآخرين وألاّ يبني علاقاته في ظلمتها، لأن الأحقاد لا ضوء لها. وفي السياق نفسه، لابدّ من تذكير محمد بنيس برفضه دعوة بيت الشعر للمشاركة في معرض الكتاب بالدار البيضاء 2008، وتصريحه بمقاطعة كل الأنشطة التي يُنظمها البيت، وهو ما اعتبرته الهيئة حقّاً من صلب حرية من اتخذه. والشق الثاني للتهويل جليّ من التشديد علي التخوين (استلذت الرسالة بتكرار الخيانة خمس مرات). والهيأة تتساءل، من موقع الحداثة، ما الفرق بين التخوين والتكفير؟ ألا يحتكمان إلي الآلية ذاتها؟ ألا ترفع هذه الآلية الحدود بين السلفية والحداثة التي تدّعي الرسالة الانتساب إليها؟ أليس التخوين امتلاءً للمعني وانغلاقا له؟ أليس نوعاً من استنساخ الخطاب السياسي المبتذل؟
وقالت: لم يعد مقبولا أن يتصرف شاعر بهذه الحربائية التي تغير ألوانها حسب الظروف والمصالح الشخصية. كما لم يعد مقبولا علي الإطلاق أن يلعب دور الوَرَل، ذلك الحيوان الصحراوي الزاحف الذي يعطي الانطباع بأنه هارب دائما ، لائذ بظلال التلال الرملية فيما هو يتهيأ ليمسك بسيقان الإبل كي يمتص دمها !.
وطالبت الرسالة في ختامها الشاعر محمد بنيس ان ينزل من غيمته قليلاً كي يلمس ما تغيّر علي أرض الشعر، وفي أحشاء الثقافة في المغرب. ولْيدعْنا نسأله قليلاً: كيف يتّسع جسده للقصيدة وللضغينة في آن؟ هل نقول إنّه بات يحنُّ إلي معاركه القديمة المفتعلة الخاسرة لِيُعيد بها الأسطوانة المشروخة المُثيرة للإشفاق.